منتدى عين أسردون
بكل الحب و التقدير نرحب بزوارنا الأعزاء في منتداهم .
عين أسردون مساحة للتعبير ، للحوار ، للمعرفة ، للسفر في عالم الكلمة الساحرة


أدب -فكر-إبداع-تربية
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 قصة " زينب"

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin


المساهمات : 31
تاريخ التسجيل : 18/02/2011

مُساهمةموضوع: قصة " زينب"   الخميس أبريل 21, 2011 8:12 am

زينب طفلة صغيرة لم تبلغ بعد الحادية عشر من عمرها.. تسكن مع أبيها وزوجته التي اقترن حضورها في مخيلة الصبية بموت الأم ، فلم تستطع – رغم صغرها – تقبل وجودها وعجزت عن الشعور بالميل اتجاهها لأسباب لا تدركها . المهم أنها لن تأخذ مكان أمها في قلبها على الأقل.
منذ ولادتها إلى أن أكملت سن الخامسة، لم تكن زينب تنجذب لشيء، ولم يكن يهمها شيء في الدنيا أكثر من تواجدها مع أمها و العيش في حضنها رغم قسوة الحياة ووطأة الحاجة. لكن ما لبثت الأيام أن عاندتها و قررت أن تغتال أمنيتها الصغيرة، لم تفهم شيئا غير أن أمها لم تعد إلى جانبها. اضطرب حال الصبية، وزاد اضطرابا وقلقا بمجيء تلك المرأة الغريبة إلى البيت بديلا لأمها، فصارت تتكتم على حزنها وتميل أكثر إلى الصمت.
زينب صورة صغيرة عن أمها ، أخذت عنها بياض البشرة و الهدوء و الذكاء، لكن لا أحد يعرف من أين استبد بها هذا الحلم الذي ملأ مخيلتها و عقلها و أحاسيسها، إنه حلم الذهاب إلى المدينة، لا لشيء إلا لرؤيتها فقط . . حينما تجلس إلى نفسها تنطلق مخيلتها في رسم صور و لوحات للمدينة.. شوارع.. محلات.. سيارات.. وأناس بهيئات مختلفة أوهمها عقلها الفتي أن سكان المدينة رهط آخر غير رهط أهل بلدتها.مخيلة صغيرة تغذيها نصوص القراءة التي تطالعها فتزيد من تعلقها وتؤجج رغبتها في زيارة المدينة ولو استغرقها الأمر حياتها .
في جلساتها المختلسة مع رفيقاتها ، كانت تُسرُّ لهم بحلمها بالذهاب إلى المدينة و رؤية
أطفالها. تتطلََّّعن إليها في صمت و تبتسمْن. أسئلة كثيرة تتدافع في دواخلها الصغيرة.. تترجمها في كتاباتها الإنشائية..في حواراتها مع معلميها.. في رسوماتها.. وفي أحلامها.لكنها لم تجرؤ على مفاتحة أبيها في الأمر مخافة أن يغتاله كما اغتالت الأيام حلمها بالعيش أبدا مع أمها.
* * * *
تذكرتْ زينب ذلك اليوم الذي فاتحت فيه أباها لأول مرة، وتوسَّلته أن يصطحبها إلى المدينة، مستغلة فلتة زمنية نادرة ظهرت فيها أسنان الأب جراء ابتسامة نسي و اقترفها ولن يجود بها الزمن في الوقت القريب. اعترفت بشيء من الارتباك المشوب بالخوف، وكان في صوتها مذاق حزن أبدي ومرارة شك مريب.
استغرب .. تساءل في صمت .. تجاهل .. ثم انصرف .
كانت زينب تتوقع من أبيها لحظتها أن يصرخ في وجهها.. أن يضربها.. أن يرفض بكل بساطة، لكنها لم تتوقع أن يتجاهلها ويهملها ببرود كبير حتى دون أن يبصق على وجهها . المهم أن يحسسها بوجودها .
ما الذي أربكها و جرحها الأكثر لحظتها؟ أترى الإهانة النفسية التي سببها تجاهله المستفز.. أم إحساسها بضياع حلمها.. أم تأكدها أن هذا الرجل لا يختزن ذرة حب اتجاهها ؟
ما أوجع أن تصادر أحلامك.. و أكثر وجعا وألمًا أن تنسف أحلام طفلة صغيرة يتيمة ترتسم على ملامحها آثار عضة الجوع إلى حنان الأم. كانت تحلم فقط برؤية المدينة ،حلم بسيط بساطة ملبسها ومأكلها ، في زمن كان الآخرون يحلمون أحلاما كبيرة معقدة ومكلفة.. تُحقَّق لهم .. يتلذذون بها .
كنتُ أشعر- لسبب ما - أن زينب ستقتل حلمها و تشنقه على باب طفولتها، لكن- ليس للأسف- خاب ظني، لم يزدها موقف أبيها إلا تشبثًا به.. حلم بدأ يكبر.. يتمدَّد و يمتد حتى صار يتملَّك الصبية في لحظات نومها و في حالات يقظتها .
* * * *


في أحد مساءات الأيام الأخيرة من السنة الدراسية ، عادت زينب إلى البيت و ذرات الفرح تتطاير من عينيها بنجاحها .. سمحتْ لنفسها أن تحس بالسعادة.. تقفز.. تضحك، إنها من المرات القليلة التي انطلقت فيها من صمتها.. من حزنها، فلا تلقي بالاً لما يحدث أمامها. فجأة ، انقلب حال الصبية وشُلَّتْ حركتها حينما تناهى إلى سمعها صوت يناديها ، صوت صادر الفرحة في داخلها فاستحالت توجسًا وخوفًا . إنه أبوها .
كان الرجل يلف نفسه في جلباب تخلى مكرهًا عن لونه الأبيض قبل أن تفتك به الأوساخ و ترديه صريع لون جديد غريب، يجلس القرفصاء قابضًا على لفافة تبغ رخيص برأس سبابته و إبهامه، ينفث دخانها من فمه و خياشيمه،أمامه كأس تستقر في قعره رشفة شاي حمراء اللون تصارع الحياة، يهُمُّ بإفراغها في حلقه لكنه يتراجع حتى تعمِّر أطول. استجابت زينب مسرعة.. متوجسة.. متسائلة عن سر هذه الدعوة المفاجئة و الغريبة.
قبل هذا اليوم، لم يحدث أن ناداها باسمها.
قبل هذا اليوم، لم ينظر في وجهها،إنه يتحاشاها دائما.
- نهار الإثنين في الصباح وجْدِي راسك تمشي للمدينة .
فرح طفولي أطلَّ بعفوية من عيني الطفلة ، لم تتمالك نفسها.. قفزت .. كادت تعانق أباها وتقبِّله، لولا أنها تعلم نفوره منها و أنها لم تعد تذكر متى قبلها آخر مرة. أخبرته بنجاحها، لكن صوتها ابتلعه الصَّمت الذي خلَّفه انصراف أبيها دون أن يحدث الخبر في داخله أثرًا.
- أخيرًا سيتحقق حلمي .. سأرى المدينة.. نعم سأراها ..
سأسير في شوارعها و أزقتها شأني شأن سكانها.
كم أنت بسيطة يا زينب .. وكم هي بسيطة أحلامك .
سعدتْ زينب بخبر سفرها إلى المدينة ، سعادة خفَّفت من حدَّة صدمة تجاهل الأب خبر نجاحها إذ لم تكن سعادتها لتخفى على أحد ممن في الدار أو الجوار وهي التي لم يزرها الفرح منذ زمن بعيد ، لقد حزنت بما فيه الكفاية، لحظات كانت فيها على حافة البكاء ، ولحظات أخرى بكت فيها بالفعل.
* * * *
اليوم، يوم سبت..
الأحد فقط يفصلها عن الإثنين .. المسافة الزمنية بينها و حلمها يختزلها يوم واحد .
كم أنت ثقيل في مشيتك أيها الزمن العنيد..إنك تمشي على قلب الصبية الذي تسارع نبضه منذ سماعها بالخبر. أطول نهاية أسبوع على الإطلاق، كانت هذه التي قضتها في انتظار قدوم يوم الإثنين. لم تنم زينب ليلة الأحد- الإثنين..
إثر خيباتها المتكررة.. إثر كل تلك اللحظات الحزينة التي مرَّت بها.. استبدَّ بها الخوف والتوجس من عدم تحقق سفرها..
أكثر من سبب.. و أكثر من ذكرى كانت تدفعها إلى هذا التطيُّر.
في غمرة كل هذا ، لم تتنبَّه زينب إلى هذا التحول في موقف أبيها.. لم تتساءل لِمَ يريد اصطحابها إلى المدينة بعدما تجاهلها في المرة الأولى. ربما تنبَّهتْ، لكنها لم ترد أن تحرم نفسها فرح اللحظة، أرادت أن تتقبَّل هذا التحول دون توجس أو تساؤل حتى ولو كان وهمًا. ومع ذلك كانت عاطفة غامضة ما توقظ مخاوفها .
لم يكد صبح يوم الإثنين ينبلج و ويزيل عنه بقايا الليل، حتى شقَّ الرّجل وزينب الطريق إلى المحطة، بدت بضع هياكل بشرية تتحرك في تباشير الصبح المتَّشح باللون الّرمادي. ارتدت زينب ما اعتقدته أجمل ما لديها و يليق بالسفر إلى المدينة ، و كدَّست بعض أغراضها في كيس بلاستيكي . تُسرع الخطى خلف أبيها و لا تنظر إلى الوراء.
الطريق إلى مدينة وجدة بدا لزينب طويلا وظنَّته لن ينتهي أبدًا، لم تصْحُ طيلة ساعاته من أحلام اليقظة، قضته في خيالاتها و تهيُّؤاتها.. تنظر في كل الاتجاهات .. لا تتوقف عن الحركة كقرد يلاعب صاحبه على كتفيه . ينهرها الأب بين الفينة و الأخرى، يرمقها بنظرات مخيفة، لكن ذلك لم يخمد جذوة الفرح التي شبَّت أخيرًا في داخلها.
ثلاث ساعات من الترقب و الانتظار.. ثلاث ساعات حملت زينب عبر تجاويف ذاكرتها الفتية الفارغة من كل شيء إلا من ذكرى الأم و المدينة التي تسكنها وتعشق رؤيتها.
انقضت الساعات الثلاث . فجأة، وجدت زينب نفسها أمام عالم جديد انبثق من الفراغ الذي تمدَّد جانبي الطريق، انتصبت الأبنية أمام عينيها.. سيارات.. أناس في كل الاتجاهات.. صراخ.. نداء.. ضجيج.. تسارعت دقات قلب الصبية خوفًا .. فرحًا.. و دهشة.
أذهلتها الأبنية العالية المتعانقة.. السيارات الكثيرة التي تتناسل من كل الشقوق.. تسير في كل الاتجاهات بدقة وانتظام ذكَّرتها بما رأته في سيرك زار بلدتها منذ سنوات، أحصنة و دراجات و عربات حديدية يمتطيها الأطفال بفرح جنوني.
كانت زينب تراقب المشهد بتفاصيله مدهوشة، وكأنها اكتشفت بقعة جديدة من بقاع الدنيا لم تكن تعلم بوجودها . سخرت من نفسها لأنها كانت تعتقد أن لا حياة خارج بلدتها الصغيرة. كان في عينيها شيء جديد.. نظرة غامضة.
لم تكد الطفلة تستأنس بالمكان، وتتخلَّص من الدهشة التي تسرَّبت إلى داخلها، كان الأب يستعجلها بحركة من رأسه. انطلق مسرعًا وهي تجري خلفه بكيسها و صندلها البلاستيكي وتنُّورتها الملونة. وهي تبحث عن إجابة للسؤال الذي أنجبته حالة الأب الاستعجالية.
- هل جئنا لزيارة المدينة فقط أم جئنا لشيء في المدينة؟
حاولت زينب أن تبعد كل الهواجس و أن تقنع نفسها أن الأب يقصد مكانًا للاستراحة والأكل،لكن الأب شقَّ طريقه طوال الصباح صامتا لا يتكلم، ظلت تمشي وراءه مرهقة دون تدمُّر.. مثقلة بالهزات النفسية .. مشحونة بانفعالات و أحاسيس متناقضة، تزداد حِدَّتها كلما استمرَّ الأب في رحلته . لسان حالها يردد في صمت : الآن سيقف . كثرت التخمينات و توالت الخيبات ولم يعد يحدوها أمل في أن الأب سيقف في مكان ما . اقتنعت بعد شيء من التفكير أن والدها يقصد جهة بعينها لكنها لا تعلم ما هي و لا متى سيصل إليها .
دام هذا السباق السريع قرابة ساعة ونصف، اجتازت فيه زينب شوارع واسعة وأزقة ضيقة.. أماكن مكتظة بالناس وأخرى فارغة.. لا تفهم .. لا تعرف .. لا تتمتع .. حلم بدأ يتحوَّل إلى توجُّس.. خوف .. شك. هاهي ذي المدينة فإلى أين يتجه الأب الغامض مسرعًا.
في سابقة من نوعها طيلة الرحلة بالحافلة أو بالأقدام، اقترب الأب من زينب راسمًا ابتسامة منافقة على وجهه.
ما أصعب ألا تعرف تفاصيل وجه أبيك، و الأصعب منه أن يثير فيك هذا الوجه الإحساس بالخوف وعدم الارتياح.
اقترب منها و أخبرها بأنها ستقضي العطلة عند أناس يعرفهم، عليها طاعتهم واحترامهم و تنفيذ أوامرهم و لا تغضبهم و تساعدهم في أشغال البيت. فهمت من كلامه أنه سيتركها ويعود إلى البلد.
ازداد الشك داخل زينب و هجمت معه جحافل المخاوف التي غزت كل عضو في جسمها الصغير. أسئلة كثيرة قفزت إلى ذهنها المكدود لم تجد لها أجوبة و ارتعدت فرائصها بمجرد التفكير في استفسار الأب عنها خوفا من غضبه .
تقدَّم الأب بعض الأمتار ، وقف أمام باب فيلا فاخرة كُتب على شاهد رخامي" فيلا القاضي قابيل"، تشبه القصور التي قرأتْ عنها في قصص السندباد وعلي بابا. ضغط على زِرٍّ أصدر صوتًا كتغريد العصافير. فُتِح الباب، طالعنا وجه متجهِّم قاسٍ جاء صوته مجرَّدًا من أي احترام و ذرَّة إنسانية:
- هذي هي البنت التي ستشتغل عندنا خادمة ؟
كلمات جافة خرجت رصاصًا من فم الرجل ذي الملامح الخشبية نزلتْ على الطفلة كالصاعقة، أخرستها، تعلَّقت نظراتها بأبيها و الدموع تتدافع على بوابة عينيها ،تتوسَّله.. تستعطفه في صمت. تابعت في نظرات غائبة ما تمَّ بين الرجل الغريب وأبيها ، مدَّه بورقات نقدية خمَّنت أنه واجبها الشهري، تخمينها صار حقيقة .
- هذا الواجب ديال هذا الشهر .
اتفقا أن يحضر الأب عند نهاية كل شهر لتسلُّم الأجرة و يغادر .
دفع الأب ابنته إلى الداخل ، طأطأ رأسه و قفل راجعا إلى البلدة دون زينب .
* * * *
بعد سنتين ..
استوقفتني جريدة يومية كُتب على ظهر صفحتها الأولى باللون الأحمر :" محاكمة قاض وزوجته بتهمة تعذيب خادمة بوجدة" .
بعد التفاصيل تأكدت أنها زينب .
26/12/2009
أكادير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://ahmadmatar68.forummaroc.net
sara



المساهمات : 1
تاريخ التسجيل : 21/05/2011

مُساهمةموضوع: رد: قصة " زينب"   الأحد مايو 22, 2011 5:14 pm

قصة قمة في الروعة مستوحات من القصص الواقعية
و للاسف هذا ما يحدث لبنات الشعب
بارك الله فيك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
جمال المؤذن



المساهمات : 6
تاريخ التسجيل : 19/05/2011

مُساهمةموضوع: رد عن قصة الفتاة "زينب"   الإثنين مايو 30, 2011 9:27 am

السلام عليكم و شكرا على هذا المضوع الذي لا يمكن وصفه بشيق و اِنما بالعار و هو نقطة سوداء تحسب على مجتمعنا و ذلك راجع لتفشي هذه الطاهرة في صفوف بعض الموطفين وأصحاب السلطة حيت تقوم هذه الفئة بستقطاب يد عاملة يصطلح عليها ب(الخدامة) لتقوم بحمل عبئ بيت لم تستطع حمله حتى مشغلتها هذا من جهة و من جهة هناك سبب رئيسي و هو الآباء حيت يكون الفقر و الآمية و التخلف و الوضع الاِجتماعي المتردي أو في الغالب يكون السبب هو أباء ماتت فيهم الآبوة و الكرامة و عزة النفس و زداد عندهم الذل و المهانة شموخااااااااااااااااااااااا
و الفتاة وجدة ما هي اِلا ذر من جزيئات من أجزاء مجزأ داخل المجتمع
و في الاخير يمكن القول (الله يهدي ما خلق)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
أحمد مطر



المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 01/01/2012

مُساهمةموضوع: تعليق   الأحد يناير 01, 2012 10:20 am

حفيفة إنه نص فصصي ممتع و جميل ، تناول قضية تشفيل الفتيات القاصرات في ظروف أقل ما يقال عنها إنها مزرية و تحط من القيمة.كما تنبه إلى وجود بعض المسؤولين الذين يستغلون سلطتهم للإعتداء على الناس بدون وجه حق .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
قصة " زينب"
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى عين أسردون :: الإبداع الأدبي-
انتقل الى: